الإمدادات الغيبية
الإمدادات الغيبية، يُقصد بها تلك المعونات الخاصة التي يمنحها الله لعباده في ظلّ شروط معينة وبكيفية خاصة. يُشترط لنيل المدد الإلهي تحقّق مجموعةٍ من المقوّمات، من أبرزها الإيمان، والتوكل، والتقوى، ونصرة دين الله، والجهاد، والحلم، والإخلاص، فضلًا عن قصور الأسباب المادية. وتُطرح الإمدادات الغيبية كواحدة من السنن المهمة في القرآن الكريم. وتُعتبر زيادة النعم الدنيوية، وتمكين الصالحين من الحكم، والهداية، والنصر بـالملائكة، من جملة مصاديق الإمدادات الغيبية المذكورة في القرآن.
آمن الإمام الخميني، استلهاماً من آيات الوحي، بحتمية وتحقق النصر الإلهي والإمدادات الغيبية. وكان يرى أن انتصار الثورة الإسلامية هو نتيجة للتأييدات الغيبية الإلهية. ومن وجهة نظره، فإنّ الثورة الإسلامية وقيام الشعب كانا تحفة إلهية وهدية غيبية مَنّ الله بها على الشعب الإيراني. كما اعتبر الإمام الخميني فشل الولايات المتحدة في حادثة طبس فعلاً من أفعال «يد الغيب» ومصداقاً للإمدادات الغيبية.
التعريف
تُطلق الإمدادات الغيبية على المساعدات الخاصة التي تصدر من عالم الغيب.[١] وبالنظر إلى المعنى اللغوي للمفردة، يمكن اعتبار الكون ونظامه، والحياة والنشاط، وجميع النعم الموجودة فيه مستمدّة من عالم الغيب وتُعدّ من مصاديق الإمداد الغيبي؛ إلا أنّ هذا المركب اللفظي في الاصطلاح يعني مساعدات خاصة توجد في حياة البشر وتتطلب شروطاً خاصة وأرضيات مساعدة.[٢] تنزل هذه السنة الإلهية بناءً على سلسلة من العلل الخفيّة الموجودة في الكون وبما يتناسب مع الظروف والمواقع.[٣]
تُبين الإمدادات الغيبية أنّه إذا استفاد الإنسان بشكل صحيح من الإمدادات الإلهية العامة وعزّز القابليات المعنوية في نفسه، فإنّ النظام السببي (العلة والمعلول) للكون سيهبّ لدعمه وسيجعله يتمتع بدعم خاص.[٤]
تظهر المساعدات الغيبية تارةً في صورة تهيئة شروط النجاح، وتارة أخرى في صورة إلهامات وهدايات وبصائر ورؤى واضحة.[٥] وللتمتع بالمدد الإلهي، تم التأكيد على لزوم شروط مثل الإيمان، والتوكل، والتقوى، ونصرة دين الله، والجهاد، والحلم، والإخلاص، وعدم كفاية الأسباب المادية.[٦]
وذُكر أنّه إذا كانت حياة الإنسان في مسار البحث عن الحق والإخلاص، فإنّ يداً غيبية ستدعمه من حيث لا يحتسب. ويمكن للإنسان من خلال السير في طريق خدمة الخلق، مثل مساعدة الضعفاء أو برّ الوالدين، أن يلمس آثار اللطف الإلهي بشكل أو بآخر.[٧] كما أنّ للإمدادات الغيبية دوراً كبيراً في الوصول إلى المعتقدات العلمية، ومعرفة الحقيقة، وتنقيه العقيدة.[٨]
يعتقد الشهيد مطهري بوجود أنواع من المدد الغيبي في حياة البشر؛ مثل تقوية القلب والإرادة، وتوفّر الأسباب والوسائل المادية للعمل، والهداية والاستبصار، وإلهام الأفكار العلمية. ومن هذا المنطلق، يرى مطهري أنّ البشر ليسوا متروكين لأنفسهم، بل إنّ يد العناية الإلهية تأخذ بأيديهم في ظروف خاصة وتنجيهم من الضلال والضعف والعجز.[٩]
المصاديق
تُطرح الإمدادات الغيبية كواحدة من السنن المهمة في القرآن الكريم.[١٠] وعلى الرغم من عدم ورود عبارة "الإمداد الغيبي" نصاً في أي آية، إلا أن آيات متعددة تشير إلى الإمدادات الغيبية الإلهية؛ مثل "إرسال جنود لم تروها"، "النصر بالملائكة"، "إنزال السكينة في قلوب المؤمنين"، "إلقاء الرعب في قلوب الأعداء"، "إرسال الرياح المدمّرة"، "تقليل عدد جنود العدو في الأعين"، "إرسال جنود من الطير"، و"إبطال كيد الأعداء".[١١] كما يُعدّ حفظ وصيانة المؤمنين، وزيادة النعم الدنيوية، وتمكين الصالحين من الحكم، ومنح الهداية والسكينة القلبيّة من مصاديق الإمدادات الغيبية.[١٢]
تُعدّ المساعدات الخاصة الخفية التي وصلت من الله في حروب صدر الإسلام إلى النبي الأكرمقالب:اختصار/ص والمؤمنين من أهم مصاديق "الإمدادات الغيبية"؛ لدرجة أنّ أربعين آية من القرآن خصّصت لهذا الشأن.[١٣] إنّ أهمية حروب المسلمين في تثبيت دعائم الحكومة الإسلامية للنبيقالب:اختصار/ص أدت إلى تحقق أعجب "الإمدادات الغيبية"، مثل نزول الملائكة في هذه الحروب.[١٤]
الإمدادات الغيبية عند الإمام الخميني
من خلال مراجعة سيرة الإمام الخميني وكلامه، يتضح أنّه كان يؤمن بقطعيّة وتحقّق النصر الإلهي والإمدادات الغيبية، مستلهماً ذلك من آيات الوحي. وكان الإمام الخميني يرى أن انتصار الثورة الإسلامية كان نتيجة للتأييدات الغيبية الإلهية. وكان يعتقد أنّ الله هو الذي نصر الشعب الإيراني على حكومة مستبدة، رغم الدعاية المناهضة للإسلام ولعلماء الدين -خاصة في المائة عام الأخيرة- ورغم بثّ الفرقة بلا حساب وإقامة المجالس المعادية للإسلام والوطن. ومن وجهة نظره، فإنّ الثورة الإسلامية وتلاحم ووحدة الشعب كانت تحفة إلهية وهدية غيبية تفضل الله بها على الشعب الإيراني.[١٥]
وكان يعتقد أنه خلال الثورة، أوجد الله مانعاً غيبياً حال دون أن يتمكن أعداء الشعب من ارتكاب المجازر، وألقى في قلوبهم خوفاً منعهم من التصدّي للناس.[١٦] وتحدّث الإمام عن وجود "يد غيبية" في نضالات الثورة ساعدت الناس حتى تمكنوا من الانتصار، وكانت هذه الأمور هي التي طمأنته بانتصار الثورة.[١٧]
يستشهد الإمام الخميني بالآية 249 من سورة البقرة[١٨] حول دور الإمدادات الغيبية في الثورة الإسلامية والانتصار بالأيدي العازلة، ويقول إنّ المعجزات والمساعدات الإلهية كانت وفيرة منذ بداية الثورة وما تلاها. ومن وجهة نظره، فإن المساعدات الإلهية والإمدادات الغيبية هي التي ساعدت الشعب الإيراني على تحقيق النصر في النهضة الإسلامية ضد النظام الشاهنشاهي الذي كان يتمتع بدعم القوى العالمية، وكذلك في جبهات الحرب.[١٩] وطوال فترة الدفاع المقدس، كان الإمام الخميني يتحدّث دائماً عن النصر الإلهي والإمدادات الغيبية، واعتبر انتصارات المقاتلين في الجبهة، مثل تحرير خرمشهر، من مصاديق نصر الله والإمدادات الغيبية.[٢٠]
كما اعتبر الإمام الخميني فشل أمريكا في حادثة طبس عملاً ليد الغيب وإمداداً غيبياً. ووصف الرمال والرياح التي تسبّبت في سقوط المروحيّات بأنّها "مأمورة من الله"، ولفت الانتباه إلى تساؤل: لماذا لا يؤمن أولئك الذين لا يهتمون بالمعنويات بهذا الغيب؟[٢١]
الهوامش
- ↑ ناصحي، امدادهاي غيبي از نگاه قرآن (الإمدادات الغيبية من منظور القرآن)، ص17؛ إبراهيميان، وآخرون، «شيوههاي نزول امدادهاي غيبي» (طرق نزول الإمدادات الغيبية)، ص159.
- ↑ ناصحي، امدادهاي غيبي از نگاه قرآن (الإمدادات الغيبية من منظور القرآن)، ص17.
- ↑ إبراهيميان، سيد حسين؛ ربيعي، زهره؛ بسمل، محبوبه، «شيوههاي نزول امدادهاي غيبي» (طرق نزول الإمدادات الغيبية)، مجلة دراسات تفسيرية، العدد 24، شتاء 1394ش، ص159.
- ↑ إبراهيميان، وآخرون، «شيوههاي نزول امدادهاي غيبي» (طرق نزول الإمدادات الغيبية)، ص157.
- ↑ مطهري، "الإمدادات الغيبية في حياة البشر"، ص76.
- ↑ ناصحي، امدادهاي غيبي از نگاه قرآن (الإمدادات الغيبية من منظور القرآن)، ص104 إلى ص113.
- ↑ ناصحي، امدادهاي غيبي از نگاه قرآن (الإمدادات الغيبية من منظور القرآن)، ص103.
- ↑ الريشهري، محمد، موسوعة العقائد الإسلامية، ج1، ص98.
- ↑ مطهري، "الإمدادات الغيبية في حياة البشر"، ص89.
- ↑ إبراهيميان، وآخرون، «شيوههاي نزول امدادهاي غيبي» (طرق نزول الإمدادات الغيبية)، ص157.
- ↑ ناصحي، امدادهاي غيبي از نگاه قرآن (الإمدادات الغيبية من منظور القرآن)، ص18؛ إبراهيميان، وآخرون، «شيوههاي نزول امدادهاي غيبي» (طرق نزول الإمدادات الغيبية)، ص157.
- ↑ إبراهيميان، وآخرون، «شيوههاي نزول امدادهاي غيبي» (طرق نزول الإمدادات الغيبية)، ص157.
- ↑ ناصحي، امدادهاي غيبي از نگاه قرآن (الإمدادات الغيبية من منظور القرآن)، ص19.
- ↑ ناصحي، امدادهاي غيبي از نگاه قرآن (الإمدادات الغيبية من منظور القرآن)، ص19؛ السبحاني، منشور جاويد، ج3، ص512.
- ↑ الخميني، صحيفة الإمام (الترجمة العربية)، ج21، ص 401–402.
- ↑ الخميني، صحيفة الإمام، ج11، ص349.
- ↑ الخميني، صحيفة الإمام، ج6، ص489–490.
- ↑ «كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ»
- ↑ صحيفة الإمام، ج16، ص275.
- ↑ «بشارة الإمام الخميني بالإمدادات الغيبية الإلهية وتحققها في سنوات الدفاع المقدس الثمان»، وكالة رسا للأنباء.
- ↑ الخميني، صحيفة الإمام، ج12، ص380.
المصادر
- إبراهيميان، سيد حسين؛ ربيعي، زهره؛ بسمل، محبوبه، «شيوههاي نزول امدادهاي غيبي بر مؤمنين از منظر آيات قرآن» (طرق نزول الإمدادات الغيبية على المؤمنين من منظور آيات القرآن)، دراسات تفسيرية (مطالعات تفسيري)، العدد 24، شتاء 1394ش.
- الخميني، السيد روح الله، صحيفة الإمام، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر تراث الإمام الخميني، 1389ش.
- السبحاني، جعفر، منشور جاويد (المنشور الخالد)، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع)،د.ت.
- الريشهري، محمد، موسوعة العقائد الإسلامية (دانشنامه عقايد اسلامي)، قم، مؤسسة دار الحديث العلمية الثقافية،د.ت.
- «بشارة الإمام الخميني بالإمدادات الغيبية الإلهية وتحققها في سنوات الدفاع المقدس الثمان»، وكالة رسا للأنباء، تاريخ النشر: 3 خرداد 1401ش، تاريخ الزيارة: 22 مهر 1404ش.
- مطهري، مرتضى، الإمدادات الغيبية في حياة البشر (امدادهاي غيبي در زندگي بشر)، طهران، صدرا، 1402ش.
- ناصحي، محمد حسن، الإمدادات الغيبية من منظور القرآن (امدادهاي غيبي از نگاه قرآن)، قم، مؤسسة بوستان كتاب، 1387ش.