انتقل إلى المحتوى

البداء

من ويكي الإمام الخميني

البداء يعني الظهور والبروز، ومنشأ البداء ليس من الذات الإلهية، بل من الأعيان الثابتة في الحضرة العلمية.

أهمية ومكانة البداء

يُطلق البداء في الاصطلاح الـكلامي على ظهور أمرٍ من قِبل الله تعالى لم يكن متوقعاً ظهوره، وهو ضرب من التغيير في التقديرات الجزئية.[١] ويتبوأ البداء مكانة خاصة في العقائد الشيعية، حيث طرقت معظم كتب الكلام الشيعية بابه.[٢] ويرى بعض المتكلمين الشيعة أن الخلاف حول البداء مع سائر الفرق الإسلامية هو خلاف لفظي لا غير، فلو أُمعن النظر والتأمل في هذه المسألة لانتفى النزاع من أساسه.[٣]

وقد تناول الإمام الخميني مبحث البداء في مصنفاته وقاربه من زاويتين كلامية وعرفانية مفسراً ومحللاً، كما أخضع آراء بعض الحكماء الإلهيين لـمشرط النقد.[٤]

التفسير الموضوعي للبداء

تبنّى بعض أهل الحديث آراءً موهمة ولا أساس لها من الصحة حول البداء.[٥] وقد فنّد الإمام الخميني زعم بعض المحدّثين والمتكلمين القائلين بأن الله كان قبل الإيجاد بألف عام إلهاً وحده لا شريك له، ثم طرأ له البداء ليخلق، معتبراً أن زعم هذه الطائفة يؤول في حقيقته إلى إنكار وجود الله؛ لإقرارهم بتطرق التجدد والتغير على الذات الإلهية، والقول بحلول التجدد في الذات مساوق لإنكارها.[٦]

وفي سياق بيانه للتأويلات التي سيقت حول نسبة التردد للحق تعالى، وكذلك فيما يخص البداء والاختبار الإلهي، يرى الإمام الخميني أن لكلٍّ توجيهاته وتأويلاته بحسب مسلكه؛ كالشيخ البهائي الذي أورد عدة وجوه، منها: وجود إضمار في الكلام، وأن الناس لكونهم يترددون في مساءة مَن يحترمونهم ولا يترددون في مساءة غيرهم، جاز ذكر التردد على سبيل الاستعارة عوضاً عن الاحترام. ومنها أن الحق تعالى يُظهر للمؤمن عند الاحتضار نعماً وبشارات، وما إلى ذلك من توجيهات. إلا أن الإمام الخميني يرى أن التوجيه والتأويل الأقوم هو التوجيه العرفاني القاضي بأن كافة الموجودات هي عين الربط والفقر المحض، وأن كل المسخرات رهن لأمر الحق وطوع لأوامره الإلهية.[٧]

منشأ البداء

احتدم الخلاف بين المفكرين الإسلاميين حول منشأ البداء وموطنه، وبلغت هذه المسألة مبلغاً من العسر حدّ أن البعض ذهب إلى إنكار البداء رُمّته. وقد تبلور النقاش الجاد في حسم منشأ البداء منذ عهد الميرداماد. ليطرح الملا صدرا لاحقاً رؤية لاقت قبولاً لدى تلميذه الفيض الكاشاني. فيرى الملا صدرا أن البداء إنما يقع في موطن «عالم النفوس» و«لوح المحو والإثبات»؛ بمعنى أن البداء لا سبيل له إلى الذات الإلهية، بل هو تغير في عالم المحو والإثبات ونفوس السماوات السبع.[٨]

ويوافق الفيض الكاشاني أستاذه في أن البداء ليس من قِبل الله، معتقداً أن صور موجودات العالم حاضرة في «أم الكتاب» و«اللوح المحفوظ» المعبر عنه بالخلق الأول، وكذلك في لوح المحو والإثبات المعبر عنه بالخلق الثاني. وبرأيه، فإن البداء لا يقع في مرتبة الخلق الأول، بل في مرتبة الخلق الثاني ومقام لوح المحو والإثبات؛ إذ لو قيل بغير ذلك، لزم تطرق الجهل إلى الذات الإلهية.[٩]

وقد شق الإمام الخميني طريقاً دقيقاً لتحديد منشأ البداء، مرتكزاً على الموطن التفصيلي للحضرة العلمية والأعيان الثابتة ومقدراتها واستعداداتها الأعيان الثابتة، ومستأنساً بالـروايات الواردة في هذا الباب. فهو يطابق بين العلم المكنون المخزون للحق، الذي ناطت به الروايات البداء، وبين الأعيان الثابتة، معتقداً أن هذا العلم هو من الغيب الإلهي الذي تُسطر فيه أحكام البداء أيضاً، والله محيط بها منذ الأزل. وبناءً عليه، يُعد البداء أحد مقتضيات مقدرات الأشياء في ذلك الموطن الغيبي الذي يكتنز العلم المخزون المكنون، أي أن البداء نفسه جزء من مقدرات الأشياء.

وهذا العلم هو حكر على الله تعالى؛ لأن موطنه هو الصقع المكنون المخزون والعلم الربوبي الذي يتمثل في التعين الثاني والحضرة العلمية.[١٠] ولا يرتضي الإمام الخميني ما ذهب إليه الملا صدرا والفيض الكاشاني في تبيين البداء، معتقداً أن البداء الذي نظّر له الملا صدرا إنما هو بحسب النشأة العينية في حضرة الملكوت وعالم النفوس، في حين أن المنشأ الأصيل لهذا البداء عينه هو الحضرة العلمية والتعين الثاني. وعليه، فإن ما لجأ إليه الملا صدرا والفيض الكاشاني تحرزاً من نسبة الجهل للعالم المطلق وتطرق التغير على العلم الإلهي، ليس تاماً ولا مستوفياً، بل منشأ البداء هو الحضرة العلمية وموطن الواحدية.[١١]

الهوامش

  1. المجلسي، مرآة العقول، ج 2، ص 147؛ المفيد، تصحيح اعتقادات الإمامية، ص 65-66.
  2. السبحاني، البداء في ضوء الكتاب والسنة، ص 9-10؛ الطهراني، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، ج 3، ص 53-57.
  3. المفيد، أوائل المقالات، ص 80؛ الطباطبائي، الميزان، ج 1، ص 381-384.
  4. الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، ص 580-586؛ تقريرات فلسفة، ج 2، ص 399؛ تنقيح الأصول، ج 3، ص 350؛ جواهر الأصول، ج 4، ص 359؛ مصباح الهداية، ص 31-32؛ تعليقات على شرح فصوص الحكم ومصباح الأنس، ص 119-120.
  5. مكارم الشيرازي، مائة وثمانون سؤالاً وجواباً، ص 107.
  6. الإمام الخميني، تقريرات فلسفة، ج 2، ص 399.
  7. الإمام الخميني، الأربعون حديثاً، ص 585-586.
  8. الملا صدرا، شرح أصول الكافي، ج 1، ص 147؛ ج 4، ص 191-192 و378؛ الميرداماد، نبراس الضياء، ص 56.
  9. الفيض الكاشاني، الوافي، ج 1، ص 512.
  10. الإمام الخميني، مصباح الهداية، ص 31؛ تعليقات على شرح فصوص الحكم ومصباح الأنس، ص 119-120؛ صاحبي، الحكمة المعنوية، مصباح الأنس، ص 516.
  11. الإمام الخميني، مصباح الهداية، ص 32؛ صاحبي، أوج المعرفة، ص 298-299.

المصادر والمراجع

  • الإمام الخميني، السيد روح الله، تعليقات على شرح فصوص الحكم ومصباح الأنس، قم، پاسدار إسلام، 1410 هـ.
  • الإمام الخميني، السيد روح الله، تقريرات فلسفة للإمام الخميني، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
  • الإمام الخميني، السيد روح الله، تنقيح الأصول، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
  • الإمام الخميني، السيد روح الله، جواهر الأصول، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
  • الإمام الخميني، السيد روح الله، الأربعون حديثاً (شرح أربعين حديثاً)، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
  • الإمام الخميني، السيد روح الله، مصباح الهداية، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
  • آقا بزرك الطهراني، محمد حسين، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، قم، نشر إسماعيليان، 1408 هـ.
  • السبحاني، جعفر، البداء في ضوء الكتاب والسنة، قم، مؤسسة الإمام الصادق (ع).
  • صاحبي، باقر، أوج المعرفة، طهران، نشر عروج.
  • صاحبي، باقر، الحكمة المعنوية، طهران، نشر عروج.
  • الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1417 هـ.
  • الفيض الكاشاني، محسن، الوافي، أصفهان، مكتبة الإمام أمير المؤمنين، 1406 هـ.
  • المجلسي، محمد باقر، مرآة العقول، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1404 هـ.
  • المفيد، محمد بن النعمان، أوائل المقالات، قم، المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، 1413 هـ.
  • المفيد، محمد بن النعمان، تصحيح اعتقادات الإمامية، قم، المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، 1413 هـ.
  • مكارم الشيرازي، ناصر، مائة وثمانون سؤالاً وجواباً، طهران، دار الكتب الإسلامية.
  • الملا صدرا، شرح أصول الكافي، طهران، مؤسسة الدراسات والبحوث الثقافية.
  • الميرداماد، محمد باقر، نبراس الضياء، نشر هجرت، ميراث مكتوب، طهران.