انتقل إلى المحتوى

البدن المثالی

من ويكي الإمام الخميني

البدن المثالي، يُقصد به البدن الذي يصاحب روح الإنسان بعد الموت، وبه يذوق العذاب أو يتنعم بـالثواب. وقد تطرق الإمام الخميني في مصنفاته إلى البدن المثالي، مبيناً حقيقته ومكانته وكيفيته، حيث يعتقد أن البدن المثالي يتشكل تبعاً للملكات النفسانية وبما يتناسب معها.

أهمية البدن المثالي ومكانته

يُطلق مصطلح البدن المثالي في العرف الـفلسفي والديني على البدن الذي يصاحب روح الإنسان بعد الموت، وبه يلقى العذاب أو الثواب.[١] وتُعدّ مسألة البدن البرزخي والمثالي من أمهات المباحث الفلسفية والكلامية والدينية. وقد أقرّ جلّ المفكرين الإسلاميين بوجود البدن البرزخي والمثالي استناداً إلى النصوص الدينية.[٢] أما في رحاب الفلسفة الإسلامية، فإن حكماء المشّاء يُنكرون عالم البرزخ، ولهذا لا يعتقدون بوجود البدن المثالي والبرزخي. وفي المقابل، نجد أن حكمة الإشراق، وإن أقرّت بوجود عالم المثال، إلا أنها لم تسلّم بوجود البدن المثالي؛ حيث تتفق المدرستان الفلسفيتان -المشائية والإشراقية- على أن الروح البخارية هي الواسطة بين النفس والبدن المادي. بيد أن الملا صدرا خاض في غمار البحث عن البدن المثالي والبرزخي، ووظّفه بشكل منهجي في دراسة حقيقة الإنسان.[٣] كما خاض الإمام الخميني أيضاً في مصنفاته في مبحث البدن المثالي، متناولاً مكانته وحقيقته وكيفيته، والتباين بينه وبين البدن المادي.[٤]

ماهية البدن المثالي

أشار الحكماء الإلهيون في مواضع شتى من مصنفاتهم إلى أن الإنسان، فضلاً عن بدنه الطبيعي هذا، يمتلك بدناً مثالياً. وتُعد مسألة البدن البرزخي بقالبه المثالي من المباحث اللصيقة بـالمعاد الجسماني؛ إذ تفيد بعض الـروايات في هذا الصدد بأن الإنسان، ما إن يرحل عن هذه الدنيا وينفصل عن بدنه المادي، حتى يجد نفسه في قالب مثالي وبدن برزخي. والبدن المثالي هو في واقع الأمر البدن الحقيقي للإنسان؛ فهو بدن لطيف تسري فيه روح الإحساس والحياة، في حين أن البدن المادي الذي يُطرح كالقشر أو الغلاف، لا يُعدّ بعد ذلك بدناً للإنسان. ويشبه البدن المثالي ذلك البدن الذي يمارس به الإنسان أفعاله في عالم الرؤيا، فيُبصر بعينه ويسمع بأذنه؛ ذلك أن البدن المثالي للإنسان لا يدرك بالحواس الظاهرية، ولهذا يعجز عامة الناس المنشغلون بالحواس الظاهرية عن إدراك البدن المثالي.[٥]

ويرى الإمام الخميني في مقاربته لماهية البدن المثالي وحقيقته، أن الـنفس بعد مفارقتها للبدن ستحلّ في قالب مثالي، ورغم أن البعض يرى أن القالب المثالي هو حاسة اللمس ذاتها السارية في كافة أرجاء البدن والتي تتشكل بشكل كل عضو فيه، إلا أن المراد من البدن المثالي ليس ذلك القالب أو الهيكل المفرغ الذي صُنع لتنتقل إليه الروح من هذه الدنيا وتحلّ فيه، بل هو بدن برزخي كامن في باطن الإنسان في حاضره هذا. ويعتبر الإمام الخميني أن البدن المثالي هو عين البدن الدنيوي؛ وتعني هذه العينية بقاء تشخص هذا البدن وشخصه. فشخص هذا البدن ينطوي على الصورة الجسمية والمادة الهيولانية، ومادته في عالم الطبيعة في حالة تبدل دائم، حيث تحلّ فيها العناصر المادية تباعاً. ورغم التبدل والتغير التدريجي الذي يطرأ على البدن، فإن تشخص صورته الجسمية يظل محفوظاً، والضامن لبقاء هذا التشخص عبر هذه التحولات هي النفس. وعندما تفقد هذه الصورة الجسمية مادتها (أي البدن العنصري) بالموت، تبقى هي قائمة؛ لأن حقيقة الجسمية لا تُناط بامتلاك المادة، بل إن الجسمية حاضرة في الـبرزخ أيضاً، وللأشخاص التذاذات جسمية بأبدانهم البرزخية. وعليه، فإن الجسم والبدن المادي يتحول في مساره الطبيعي إلى جسم برزخي ومثالي.[٦]

ويؤمن الإمام الخميني بأن الإنسان الذي يُحشر يوم الـقيامة هو عين الإنسان الدنيوي، وهذا لا يتعارض مع فساد البدن الدنيوي وتلاشيه؛ ذلك أن هوية الإنسان و"أنا"ه تكمن في نفسه. وما يُعتدّ به في عينية البدن الدنيوي والبدن المثالي هو لحاظ جهة الوحدة بينهما ليصدق القول بأن هذا البدن هو ذاك البدن. وبناءً عليه، فإن النحو الوجودي للنفس هو المتكفل بحفظ وحدتها وتشخصها، رغم ما يطرأ عليها من تحولات؛ ذلك أن وجود النفس يتسم بكونه، رغم وحدته، جسمانياً في مرتبة الحدوث، وشبه مادي في مرتبة الخيال، ومجرداً تماماً في مرتبة العقل. وفي عقيدة الإمام الخميني، فإن الـنفس مؤهلة للارتقاء -بوجودها الواحد مع حفظ كمالات كل مرتبة- إلى المرتبة التي تليها، لتبرز وتتجلى في كل نشأة بأطوار مختلفة وبخصائص تلك النشأة. وفي مسار الارتقاء والصعود هذا، تُمثل الصورة البرزخية والأخروية اشتداداً للصورة الدنيوية، ولا تباين بينهما بطبيعة الحال؛ بل إن الإنسان، منذ بداية حدوثه وبحكم التشكيك في الوجود، يبقى حاضراً في كافة المراحل، ولا يتغير سوى حدوده. ومن هنا، يمكن القول بأن البدن المثالي والأخروي هو ذات البدن الدنيوي، وما يميّزهما إنما هو الشدة والضعف والكمال والنقص.[٧]

الفرق بين البدن المثالي والبدن الدنيوي

أرست الحكمة المتعالية فروقاً بين البدن الطبيعي الدنيوي والبدن المثالي البرزخي؛ منها: أن البدن الطبيعي يقوم مقام المادة المستعدة لـحدوث النفس والمرجّحة لحدوثها، خلافاً للبدن المثالي. كما أن البدن الطبيعي قابلٌ مادي للنفس، بعكس البدن المثالي الذي ليس كذلك، بل هو واسطة لتصرف النفس وتدبيرها في البدن الطبيعي. أضف إلى ذلك أن حصول البدن المثالي لا يُشترط فيه المادة المستعدة، بل يتشكل استناداً إلى الملكات النفسانية وبما يتناسب معها، وهو ينبض بالحياة.[٨]

ويفرّق الإمام الخميني أيضاً بين البدن الدنيوي والبدن المثالي عبر عدة أوجه، منها:

  • يبلى البدن الدنيوي المادي ويستحيل تراباً ويفنى، خلافاً للبدن المثالي الذي يلازم النفس ويبقى ببقائها. ولهذا، فإن نسبة النفس إلى هذا الجسد الذي يستحيل تراباً ويبلى كنسبتها إلى سائر الأجسام الأخرى.[٩]
  • يُعد البدن الدنيوي قشراً وغلافاً للبدن البرزخي.[١٠]
  • يُشكل البدن الدنيوي ساتراً للبدن البرزخي، فكما أن اللباس الصوري ساتر للبدن المُلكي، فإن البدن العنصري ساتر للبدن البرزخي. وعليه، فإن البدن البرزخي موجود الآن، ولكنه محجوب ومستور خلف حجاب البدن الدنيوي.
  • يتسم البدن المثالي، على العكس من البدن المادي، بالحياة. ويستند الإمام الخميني في ذلك إلى الآية الكريمة {وإنّ الدارَ الآخرةَ لَهيَ الحَيَوانُ لو كانُوا يَعلَمون}،[١١] ليرى أن الحياة ذاتية للبدن البرزخي والمثالي لتمتعه بالتجرد المثالي والصور الإدراكية، ولأن الوجود في حد ذاته للصور الإدراكية هو عين وجودها بالنسبة للمُدْرِك، فالصور الإدراكية متحدة مع المُدْرِك. وبناءً عليه، فإن الأبدان المثالية هي عين النفوس، وحياتها ذاتية، بخلاف الأبدان الدنيوية التي تفِد إليها الحياة من الخارج. ومن هنا، فإن الجسم المثالي قائم بالنفس بتمام ظهوره، والنفس محيطة بكافة عوالمها، وتتجه بكامل قدرتها نحو جسمها الظلّي وتبرزه للظهور.[١٢]

المراجع

  1. محسني، البرزخ والمعاد من منظور القرآن والروايات، ص 29-30؛ ملايري، نظريات البدن البرزخي، ص 114.
  2. الطوسي، تهذيب الأحكام، ج 1، ص 466؛ الكليني، الكافي، ج 3، ص 243؛ المفيد، تصحيح اعتقادات الإمامية، ص 77؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 3، ص 201؛ الفيض الكاشاني، الوافي، ص 634.
  3. ابن سينا، الشفاء، الطبيعيات، ج 2، ص 232؛ السهروردي، مجموعة مصنفات شيخ الإشراق، ج 2، ص 266؛ الملا صدرا، مجموعة رسائل فلسفية، ص 301، المبدأ والمعاد، ص 281؛ الحكمة المتعالية، ج 9، ص 98؛ العرشية، ص 243؛ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 15، ص 68؛ شه كلي، أوصاف البدن المثالي في الحكمة المتعالية والتعاليم الدينية، ص 164-166.
  4. الإمام الخميني، تقريرات فلسفة، ج 2، ص 364؛ ج 3، ص 54، 240 و246؛ آداب الصلاة، ص 91؛ التعليقة على الفوائد الرضوية، ص 140.
  5. الملا صدرا، الحكمة المتعالية، ج 8، ص 249، ج 9، ص 99 و281؛ الشواهد الربوبية، ص 318؛ مفاتيح الغيب، ص 600؛ مجموعة رسائل فلسفية، ص 296؛ أسرار الآيات، ص 180؛ المظاهر الإلهية، ص 117؛ العرشية، ص 239-240؛ عبوديت، مدخل إلى نظام الحكمة الصدرائية، ج 3، ص 123.
  6. الإمام الخميني، تقريرات فلسفة، ج 2، ص 364؛ ج 3، ص 54 و213-216؛ صاحبي، الحكمة المعنوية، ص 688-690.
  7. الإمام الخميني، تقريرات فلسفة، ج 3، ص 201-207، 212-213، 408-411 و541؛ صاحبي، الحكمة المعنوية، ص 749-754.
  8. الملا صدرا، الحكمة المتعالية، ج 9، ص 31، 207 و281؛ المبدأ والمعاد، ص 554؛ الشواهد الربوبية، ص 270؛ عبوديت، مدخل إلى نظام الحكمة الصدرائية، ج 3، ص 133-136.
  9. الإمام الخميني، تقريرات فلسفة، ج 3، ص 240-246.
  10. الإمام الخميني، تقريرات فلسفة، ج 3، ص 323.
  11. (العنكبوت: 64).
  12. الإمام الخميني، التعليقة على الفوائد الرضوية، ص 140-141؛ آداب الصلاة، ص 91؛ صاحبي، أنوار الحكمة، الحكمة المعنوية، ص 691-692.

المصادر والمراجع

  • ابن سينا، الحسين بن عبد الله، الطبيعيات من الشفاء، قم، مكتبة المرعشي، 1404 هـ.
  • الإمام الخميني، السيد روح الله، التعليقة على الفوائد الرضوية، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
  • الإمام الخميني، السيد روح الله، آداب الصلاة، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
  • الإمام الخميني، السيد روح الله، تقريرات فلسفة للإمام الخميني، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني.
  • السهروردي، شهاب الدين، مجموعة مصنفات شيخ الإشراق، تصحيح هنري كوربين، طهران، مؤسسة الدراسات والبحوث الثقافية.
  • شه كلي، أحمد، أوصاف البدن المثالي في الحكمة المتعالية والتعاليم الدينية، فصلية حكمة إسلامي.
  • صاحبي، باقر، أنوار الحكمة، طهران، نشر عروج.
  • صاحبي، باقر، الحكمة المعنوية، طهران، نشر عروج.
  • الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1417 هـ.
  • الطوسي، علي بن الحسين، تهذيب الأحكام، طهران، دار الكتب الإسلامية.
  • عبوديت، عبد الرسول، مدخل إلى نظام الحكمة الصدرائية، طهران، نشر سمت.
  • الفيض الكاشاني، محسن، الوافي، أصفهان، مكتبة الإمام أمير المؤمنين، 1406 هـ.
  • الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، تصحيح علي أكبر غفاري، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1407 هـ.
  • المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1404 هـ.
  • محسني دايكندي، محمد عظيم، البرزخ والمعاد من منظور القرآن والروايات، قم، نشر آشيانه مهر.
  • المفيد، محمد بن محمد، تصحيح اعتقادات الإمامية، قم، المؤتمر العالمي، 1413 هـ.
  • الملا صدرا، محمد بن إبراهيم، الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية، تصحيح السيد جلال الدين الآشتياني، قم، بوستان كتاب.
  • الملا صدرا، محمد بن إبراهيم، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1981 م.
  • الملا صدرا، محمد بن إبراهيم، العرشية، بيروت، مؤسسة التاريخ العربي، 1420 هـ.
  • الملا صدرا، محمد بن إبراهيم، أسرار الآيات، طهران، نشر جمعية الحكمة.
  • الملا صدرا، محمد بن إبراهيم، المبدأ والمعاد، تصحيح السيد جلال الدين الآشتياني، طهران، جمعية الحكمة والفلسفة.
  • الملا صدرا، محمد بن إبراهيم، مجموعة رسائل فلسفية، طهران، انتشارات حكمت.
  • الملا صدرا، محمد بن إبراهيم، مفاتيح الغيب، تصحيح خواجوي، طهران، مؤسسة البحوث الثقافية.
  • ملايري، موسى، نظريات البدن البرزخي، مجلة پژوهش ديني (البحوث الدينية).