التسليم
التسليم، هو الخضوع المطلق لله تعالى، والرضا بأحكامه وتدبيره، وتنزيه التوحيد عن شوائب الشرك، ويُعد ركيزة أساسية لنيل السكينة الروحية والفلاح.
أهمية التسليم ومكانته
يُعرّف التسليم في المفهوم الـأخلاقي والـعرفاني بأنه الرضا المطلق والامتثال غير المشروط لمشيئة الله وإرادته.[١] وقد أفاض علماء الأخلاق وأهل المعرفة في مصنفاتهم في تفصيل مقام التسليم، متناولين حقيقته، ومراتبه، والفوارق بينه وبين سائر المقامات، فضلاً عن ثمراته وآثاره.[٢]
وقد تطرق الإمام الخميني في مصنفاته أيضاً لمبحث حقيقة التسليم، ومراتبه، والفروق بينه وبين سائر المقامات، وما يترتب عليه من آثار ونتائج.[٣]
حقيقة التسليم
يُجمع علماء الأخلاق وأهل المعرفة على أن التسليم هو الثبات والسكينة، ظاهراً وباطناً، في مواجهة المحن والبلايا.[٤] ويرى الإمام الخميني أن حقيقة التسليم تكمن في الانقياد الباطني، واليقين القلبي، وسلامة النفس من الشوائب، وتطهرها من الرذائل. ويَعتبر التسليم من سجايا المؤمن التي يظفر بها عبر ارتقائه في المقامات الروحية وتعمقه في المعارف الإلهية، وأن من يُسلّم أمره لله ولـأولياء الله، يصل لغايته أسرع؛ لذا ينبغي للسالك أن يتحرى طبيباً حاذقاً ويُسلم له القياد، فإن جادله أو لم يُسلم له، وحاول التطبب بعقله القاصر، فإنه يعرض نفسه للهلاك. ويضع بعض علماء الأخلاق مقام التسليم فوق مقام الرضا؛ بحجة أن في مقام الرضا، يوافق كل ما يقضيه الله طبع المرء وميوله، بينما في مقام التسليم، يُسلم المرء طبعه وميوله لله بالكلية.
ويرى الإمام الخميني أن مقام الرضا أسمى من مقام التسليم، وإن كان يقرّ بأن ثمة مرتبة من مراتب التسليم تعلو مقام التوكل والرضا؛ وذلك أن السالك إذا كان من أهل الطلب والمحبة، وتجرد عن الـأنانية والنفسانية، فإن الله بتجلٍ وجذبة واحدة، يرفعه إلى مقام الـفناء والصعق المطلق، كما حدث لـموسى (ع). أما إذا كان في السالك شائبة نقص، فإنها تتلاشى بهذا التجلي الرحماني النابع من العناية الإلهية الخاصة، وهذا المقام من التسليم يفوق التوكل والرضا بـالقضاء الإلهي.[٥]
آثار ونتائج التسليم
ذكر علماء الأخلاق ثماراً يانعة ونتائج جليلة لمقام التسليم، منها: الـسكينة، والبصيرة في الدين، والنهل من بشائر القرآن، والاهتداء إلى الـصراط المستقيم، والتوكل، واجتياز الـامتحانات الإلهية بنجاح.[٦] كما سرد الإمام الخميني آثاراً ونتائج جمة لمقام التسليم، مستدلاً بالآية الكريمة: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}،[٧] ليرى أن حلاوة الإيمان لا تُذاق إلا بالتسليم المطلق لأحكام الله، تسليماً لا يُخلف في النفس أدنى ضيق. ويَعُد الإمام الخميني التسليم من جند العقل والرحمن، ومقتضى الفطرة السليمة، ويرى أن الإنسان، بسلامة فطرته، يُسلّم للحق. ويُقابل التسليم التزلزل والشك، فإذا سلّمت روح الإنسان، سلّم كيانه بأسره، ولم يعد لأنيته أي حراك أو سكون.[٨]
الهوامش
- ↑ الطوسي، أخلاق ناصري، ص 116؛ الجرجاني، التعريفات، ص 80-85؛ الكاشاني، شرح منازل السائرين، ص 341-345.
- ↑ الملا صدرا، شرح أصول الكافي، ج 1، ص 233؛ المجلسي، بحار الأنوار، ج 79، ص 136؛ الطوسي، أوصاف الأشراف، ص 85-86؛ أخلاق ناصري، ص 116؛ السلمي، طبقات الصوفية، ج 1، ص 59.
- ↑ الإمام الخميني، شرح حديث جنود العقل والجهل، ص 401-407؛ آداب الصلاة، ص 23؛ الأربعون حديثاً، ص 47؛ سر الصلاة، ص 78.
- ↑ السلمي، طبقات الصوفية، ج 1، ص 59؛ الجرجاني، التعريفات، ص 85؛ الكاشاني، شرح منازل السائرين، ص 341-345.
- ↑ الإمام الخميني، شرح حديث جنود العقل والجهل، ص 402-405.
- ↑ الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج 12، ص 347؛ ج 17، ص 231؛ الطبرسي، مجمع البيان، ج 5، ص 217؛ الحويزي، نور الثقلين، ج 3، ص 94؛ مكارم الشيرازي، تفسير الأمثل، ج 3، ص 505.
- ↑ النساء: 65.
- ↑ الإمام الخميني، شرح حديث جنود العقل والجهل، ص 401-407.
المصادر والمراجع
- الإمام الخميني، السيد روح الله، آداب الصلاة، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1384 ش (2005م).
- الإمام الخميني، السيد روح الله، سر الصلاة (معراج السالكين وصلاة العارفين)، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1378 ش (1999م).
- الإمام الخميني، السيد روح الله، الأربعون حديثاً (شرح أربعين حديثاً)، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1388 ش (2009م).
- الإمام الخميني، السيد روح الله، شرح حديث جنود العقل والجهل، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1387 ش (2008م).
- الجرجاني، السيد الشريف، كتاب التعريفات، طهران، ناصر خسرو، 1370 ش (1991م).
- الحويزي، عبد علي، نور الثقلين، قم، نشر مطبعة العلمية، 1383 هـ.
- السلمي، عبد الرحمن، طبقات الصوفية، طهران، نشر توس، 1362 ش (1983م).
- الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1417 هـ.
- الطبرسي، الحسن، مجمع البيان، بيروت، دار العلوم، 1379 هـ.
- الطوسي، الخواجة نصير الدين، أخلاق ناصري، طهران، منشورات خوارزمي، 1399 ش (2020م).
- الطوسي، الخواجة نصير الدين، أوصاف الأشراف، طهران، وزارة الإرشاد الإسلامي، 1373 ش (1994م).
- الكاشاني، عبد الرزاق، شرح منازل السائرين، تحقيق بيدارفر، قم، منشورات بيدار، 1385 ش (2006م).
- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسسة الوفاء، 1404 هـ.
- مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير الأمثل، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1374 ش (1995م).
- الملا صدرا، محمد بن إبراهيم، شرح أصول الكافي، طهران، معهد العلوم الإنسانية، 1366 ش (1987م).