الحياة الفلسفية للإمام الخميني
الحياة الفلسفية للإمام الخميني، أثمر اعتناق الإمام الخميني للـالمدرسة الصدرائية عن إيجاد قابليات استثنائية لبلورة حلول ناجعة للمعضلات الفلسفية.
أهمية ومكانة الحياة الفلسفية للإمام الخميني
تُعرّف الـفلسفة في الاصطلاح بأنها العلم بالحقائق النظرية والعملية، والسبيل لاستكمال الـنفس الإنسانية عبر إدراك حقائق الموجودات، وذلك في حدود الوسع البشري.[١]
ويُعد ميدان الفلسفة والحكمة من أبرز الميادين التي تجلت فيها العطاءات العلمية لـالإمام الخميني. وفي صميم شخصيته الفلسفية، يُشكل الاهتمام بالفلسفة الصدرائية أنموذجاً محورياً لشرح وبسط أفكاره الفلسفية، مما هيأ أرضية خصبة لمعالجة القضايا التي تشغل بال الإمام في هذا المضمار. واستناداً إلى هذه الطاقات، تمكن الإمام الخميني، عبر التأمل العميق في المنظومة الفلسفية، من استنباط لوازم وفروع جمة، وتوظيفها في تقرير المعارف الإلهية وبسطها. ولم يكتفِ بذلك، بل ارتقى بالمباحث الفلسفية إلى آفاق الـعرفان النظري، محوّلاً إياها إلى حكمة عرفانية بامتياز. وتزخر مصنفاته بدقة متناهية وتحليلات فنية غاية في العمق، مرتكزة على أسس الـعرفان في بنيانه الفلسفي.[٢]
سمات الحياة الفلسفية للإمام الخميني
تتسم الحياة الفلسفية للإمام الخميني بجملة من السمات البارزة، نذكر منها:
- التضلع والتعمق في الفلسفة: يُعتبر الإمام الخميني من أبرز الحكماء والفلاسفة في عصره؛ إذ تعكس إحاطته الشاملة بأقوال ونظريات الحكماء، ودقته في سبر أغوار أفكار المتقدمين والمتأخرين، سعة اطلاعه وعمق مطالعته في حقل الفلسفة.[٣]
- الذود عن حياض الـفلسفة الإسلامية: يرى الإمام الخميني، من خلال شرحه وتفسيره وإحيائه للتراث الفلسفي، أن الفلسفة تتمتع بأصالة متفردة. وقد دحض بشدة مزاعم القائلين بأن الفلسفة الإسلامية ليست سوى نسخة مشوهة من الفلسفة اليونانية، أو أن أفكارها مستقاة من مصادر غير إسلامية، مؤكداً على تجذر الفلسفة الإسلامية في أعماق الـقرآن وتعاليم أهل البيت (ع).[٤]
- الاقتدار في فهم وتحليل المسائل الحِكْمية والفلسفية: إن البراعة التي امتلكها الإمام في الفلسفة والحكمة، مقترنة بنبوغه الفذ وتناغمه الذاتي مع هذا الصنف من المباحث، مكنته من التحليق في أعلى مراتب هذا العلم، وتقديم تقريرات مبتكرة للمسائل، فضلاً عن الإبداع فيها. كما أن يراعه الفلسفي، الذي تميز بالبلاغة والقوة والمتانة، والذي لم ينأَ يوماً عن مدار الفلسفة، أضفى على آثاره صلابة عقلانية نادرة النظير.[٥]
- الإحاطة الواسعة بالمباحث المنطقية: إلى جانب ما تمتع به الإمام الخميني من ذائقة فلسفية وفكر عقلاني ثاقب، فقد كان محيطاً إحاطة تامة بمباحث المنطق، ولا سيما تلك المتعلقة بالقياس. فكان يميز ببراعة بين الأشكال الاقترانية والأشكال الاستثنائية، ملماً بشروط إنتاجها، ومستوعباً لشروط القياس البرهاني وأصناف المغالطات اللفظية والمعنوية.[٦] ولم يكن من فراغ أن يؤكد الإمام بشدة على ضرورة تجنب طرح المباحث الفلسفية والمنطقية المعقدة والدقيقة على مَن لم يستكملوا نضجهم الفكري ولم يحصلوا الفطنة اللازمة. ففي اعتقاد الإمام الخميني، لكل علم أهله، ومباحث الإلهيات هي الأشد عمقاً. وبلغ من دقة هذه المباحث وعمقها أن الشيخ الرئيس ابن سينا، رغم ما حباه الله من ذكاء متوقد وقريحة حسنة واستعداد منقطع النظير، أقر بعجزه، وطالع كتاب الـفارابي أربعين مرة لفك طلاسم مسائل الميتافيزيقا؛ بل وأمام استعصاء بعض المسائل على فهمه، كان يتضرع إلى الباري عز وجل ملتمساً كشف رموزها وحل عقدها. ولذلك، يُشدد الإمام الخميني على ضرورة التخلي عن التسرع، والتحرر من الأنانية والنفسانية عند الرجوع إلى أمهات الكتب في هذا الفن، كي لا يُساق المرء إلى الهلاك من حيث لا يدري.[٧]
مقومات المدرسة الفلسفية للإمام الخميني
تنهض المدرسة الفلسفية للإمام الخميني على ركائز ومقومات عدة، من أبرزها:
- المنهجية التركيبية للإمام في الفلسفة: تتسم منهجية الحكمة عند الإمام الخميني في الفلسفة بطابعها التركيبي؛ بمعنى أنه زاوج بين ثلاث مناهج: البرهان، والعرفان، والقرآن؛ وإن كان يعتبر الوحي هو المِحك النهائي لصدق الآراء التي تفرزها مدرسته. وعليه، فإن الإمام، مع حرصه على الشمولية، يرى ضرورة انتهاج سبيل يُفضي إلى الغاية الحقيقية للفلسفة؛ ألا وهي التقرب إلى الحق تعالى عبر معرفة حقائق الوجود.
- الرحابة الشاملة للحكمة العرفانية للإمام الخميني: تمتد فلسفة الإمام الخميني في آفاق واسعة يستلزمها أي مذهب عقلي متكامل؛ إذ يبني الإمام نظامه الفلسفي، أسوة بـالحكمة المتعالية، بدءاً من مفهوم "الوجود"؛ ولذا فإن كل ما يندرج ضمن دائرة الوجود، يُعد مشمولاً بالدراسات الفلسفية.[٨]
- السعي نحو المعرفة المطابقة للواقع: يتجسد الهدف الأسمى للمنظومة الفلسفية للإمام الخميني في تحصيل معرفة مطابقة للواقع. وهو يرى في هذا الهدف قاسماً مشتركاً بين الدين والحكمة؛ ولذلك يستشهد في بيان غايته بالدعاء المأثور عن الـالنبي الأكرم (ص): «ربِّ أرني الأشياء كما هي».[٩][١٠]
- التلاحم العضوي في الصرح الفلسفي للإمام الخميني: لا تشهد أركان هذا المذهب أي اغتراب أو انفصام؛ فجهوده الفلسفية لم تنفصل يوماً عن مشاهداته العرفانية ومُسلّمات الشريعة؛ كما أن مباحثه في الأنطولوجيا (علم الوجود) لم تتبلور بمعزل عن معرفة الله؛ وبالمثل، فإن الأنثروبولوجيا (علم الإنسان) في هذا المذهب ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمعرفة الله ومعرفة الوجود.[١١]
- الامتداد المجتمعي للحكمة العرفانية للإمام الخميني: من المقومات الجوهرية لفلسفة الإمام الخميني قدرتها الفائقة على خلق تيارات فكرية وثقافية، ومدّ جذورها في نسيج المجتمع. لقد أثبتت المنظومة الفلسفية للإمام فاعليتها في إحداث حراك حقيقي في الساحتين الفكرية والثقافية للمجتمع، وتجسيد ذلك في الواقع الاجتماعي المعاش.[١٢]
الهوامش
- ↑ ابن سينا، عيون الحكمة، ص 16-17؛ قطب الدين الشيرازي، شرح حكمة الإشراق، ص 30؛ الملا صدرا، الحكمة المتعالية، ج 1، ص 20؛ الإمام الخميني، آداب الصلاة، ص 20.
- ↑ صاحبي، الحكمة المعنوية، ص 73-74؛ جولة في الحكمة المعنوية للإمام الخميني، ص 159.
- ↑ صاحبي، الحكمة المعنوية، ص 74-75.
- ↑ الإمام الخميني، آداب الصلاة، ص 304، تقريرات فلسفة، ج 1، ص 87؛ صحيفة الإمام، ج 18، ص 87؛ كشف الأسرار، ص 32-34؛ صاحبي، جولة في الحكمة المعنوية للإمام الخميني، ص 157.
- ↑ صاحبي، الحكمة المعنوية، ص 75.
- ↑ الإمام الخميني، تنقيح الأصول، ج 1، ص 11، ج 4، ص 589؛ الاجتهاد والتقليد، ص 10؛ كشف الأسرار، ص 42؛ تقريرات فلسفة، ج 3، ص 562، ج 2، ص 127.
- ↑ الإمام الخميني، مصباح الهداية، ص 68-69؛ صاحبي، الحكمة المعنوية، ص 75-76.
- ↑ صاحبي، الحكمة المعنوية، ص 82-83؛ جولة في الحكمة المعنوية للإمام الخميني، ص 165.
- ↑ الأحسائي، عوالي اللآلئ، ج 4، ص 132.
- ↑ الإمام الخميني، تقريرات فلسفة، ج 3، ص 314؛ صحيفة الإمام، ج 19، ص 225؛ آداب الصلاة؛ ص 11؛ صاحبي، الحكمة المعنوية، ص 83-84.
- ↑ صاحبي، الحكمة المعنوية، ص 84؛ جولة في الحكمة المعنوية للإمام الخميني، ص 166.
- ↑ صاحبي، الحكمة المعنوية، ص 84-85؛ جولة في الحكمة المعنوية للإمام الخميني، ص 166.
المصادر والمراجع
- ابن سينا، الحسين بن عبد الله، عيون الحكمة مع شرح عيون الحكمة، طهران، مؤسسة الصادق للطباعة والنشر، 1373 ش (1994م).
- الأحسائي، ابن أبي جمهور، عوالي اللآلئ، قم، مطبعة سيد الشهداء، 1403 هـ.
- الإمام الخميني، السيد روح الله، الاجتهاد والتقليد، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1426 هـ.
- الإمام الخميني، السيد روح الله، آداب الصلاة، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1384 ش (2005م).
- الإمام الخميني، السيد روح الله، تقريرات فلسفة الإمام الخميني، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1385 ش (2006م).
- الإمام الخميني، السيد روح الله، تنقيح الأصول، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1385 ش (2006م).
- الإمام الخميني، السيد روح الله، صحيفة الإمام، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1389 ش (2010م).
- الإمام الخميني، السيد روح الله، كشف الأسرار، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، د.ت.
- الإمام الخميني، السيد روح الله، مصباح الهداية، طهران، مؤسسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخميني، 1386 ش (2007م).
- الشيرازي، محمود بن مسعود الكازروني، قطب الدين، شرح حكمة الإشراق، بعناية عبد الله نوراني، طهران، جامعة طهران، 1380 ش (2001م).
- صاحبي، باقر، الحكمة المعنوية، طهران، نشر عروج، 1401 ش (2022م).
- صاحبي، باقر، جولة في الحكمة المعنوية للإمام الخميني، مجلة حضور نشر عروج، 1401 ش (2022م).
- الملا صدرا، محمد بن إبراهيم، الحكمة المتعالية في الأسفار العقلية الأربعة، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1981م.